نقلاً عن موقع
"
سيكرد ديستينيشن"

 

 

عذراء فاطيما
رسالة سلام وتوبة وإيمان إلى العالم

     ظهورات واسرار ورؤى ومعجزات وموت اجتمعت كلها في مكان واحد وحول شخص واحد وكانت موضع جدل واهتمام من رجال دين وصحافة على مدى سنوات اتفق واختلف حوله الكثيرون... إنه مزار السيدة العذراء مريم بمدينة فاتيما في البرتغال الذي أصبح وجهة للزائرين ومن مختلف أرجاء العالم يقدر عددهم بستة ملايين زائر وحاج سنويا.
     اثناء اعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية أعلن الفاتيكان في بيان له أن البابا فرنسيس، والذي سيكون البابا الرابع، يقوم بزيارة الى مدينة لشبونة البرتغالية خلال شهر آيار المقبل (بعد بولس السادس العام 1967، ويوحنا بولس الثاني الاعوام 1982 و1991 و2000 واخيرا البابا بنديكت السادس عشر العام 2010)، احتفالا بالذكرى المئوية للظهور الأول للسيدة العذراء في تلك البقعة صبيحة الثالث عشر من آيار 1917. 

 
  الوردية
     قداس منتصف الليل واضاءة الشموع وتلاوة الصلاة الوردية (الوردية المقدسة أو المسبحة الوردية: هي عقيدة وصلاة في الكنيسة الكاثوليكية، تتألف من 15 بيتا يتأمل خمسة منها في الفرح وخمسة عن الحزن والخمسة الاخيرة عن المجد، وقد أضاف البابا يوحنا بولس الثاني عام 2002 خمسة أسرار جديدة تتأمل في النور-المترجمة). ومن أبرز ما يميز الاحتفال السنوي الذي يقام في مدينة فاطيما، 150 كيلومترا الى الشمال من لشبونة، استذكارا للظهورات الستة للسيدة العذراء مريم أمام ثلاثة أطفال رعاة وفي ذات التاريخ من كل شهر للفترة من 13 آيار 1917 ولغاية 13 من شهر تشرين الأول من العام نفسه.
     في حقول بلدة الجستريل قرب بلدة فاطيما، تجلت السيدة العذراء لكل من لوسيا دوس سانتوس (10 سنوات) وابني عمها جاسينتا وفرانسيسكو مارتو (7 و9 سنوات) الذين تحدثوا عن ظهور ملاك السلام لهم سنة 1916 قبل ظهور العذراء بفترة، والذي وصفته لوسيا بأنه: أكثر ألقا من الشمس، ينشر شعاعا من الضوء أكثر وضوحا وقوة من قدح كريستال مليء بأنقى مياه تخترقها أشعة الشمس الوهاجة.
     طبقا لرواية لوسيا، طلبت السيدة العذراء من الأطفال الثلاثة التكفير عن الذنوب من أجل خلاص الخطاة، فعمدوا الى شد حبال حول خصرهم وبقوة الى حد الألم كما امتنعوا عن شرب المياه خلال أيام الحر والقيظ وغيرها؛ كنوع من التكفير عن الذنب. تذكر لوسيا ان العذراء طلبت منهم تلاوة الوردية كل يوم، مشددة على أنها مفتاح لنيل السلام مع النفس وحلول السلام في العالم؛ في الوقت الذي كان معظم الشباب البرتغالي، ومنهم أقارب الاطفال، يخوضون غمار الحرب العالمية الأولى. 
     ظهرت العذراء للمرة الثانية أمام الاطفال في الثالث عشر من حزيران، وتوقعت خلاله موت اثنين منهم، وعندما طلبت لوسيا من العذراء أن تأخذهم الى السماء أجابتها قائلة: نعم سآخذ جاسينتا وفرانسيسكو في وقت قريب، لكنك ستبقين لفترة أطول لأن المسيح يتمنى أن تجعليني معروفة  ومحبوبة في الأرض؛ فهو يتمنى منك أن تشيعي التكريس في الارض من أجل قلبي الطاهر.
     فسرت العذراء خلال ظهورها للأطفال بأن الحرب هي عقاب على الإثم والمعصية على مشيئته وأن عقوبة الله أشد واقسى اذا استمر الناس بارتكاب الخطايا حيث ستشيع الحروب والمجاعة واضطهاد الكنيسة والكاثوليكية. تنبأت العذراء بأن روسيا قد تكون أداة الله للتأديب بنشرها التعاليم الخاطئة والالحاد في كل أرجاء الارض مما سيتسبب بإشعال الحروب وإبادة الشعوب والامم واضطهاد المؤمنين في كل مكان. 

 
 الأسرار الثلاثة
     كشفت السيدة العذراء في ظهورها الثالث للاطفال عن أسرار ثلاث تضمنت نبوءات عن المستقبل ظلت محط جدل واهتمام منذ ذلك الحين. لم يتم تدوين هذه الأسرار حتى العام 1941 عندما طلب من لوسيا كتابة مذكراتها حول فاطيما وأبناء عمها كنوع من بدء عملية التقديس لهم.
     وصف السر الاول رؤيا مريعة عن الجحيم فيما تنبأ السر الثاني بنهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الثانية وفيه دعوة الى تكريس روسيا لتتحول الى قلب العذراء الطاهر وهذا ما حققه البابا يوحنا بولص الثاني العام 1984 عندما منح العالم البركة بضمنها روسيا قبل وقت قصير من انهيار الاتحاد السوفيتي.
     تحفّظ الفاتيكان على السر الثالث وأبقاه طي الكتمان حتى عيد الفصح من العام 2000 - وكانت لوسيا سبق وان تحدثت عن امكانية نشره في العام 1960- عندما نشر رسميا نصا منه كان يلفه الغموض مما أثار العديد من التكهنات من أن الفاتيكان لم ينشره كاملا. تحدث السر الثالث عن وفاة البابا على أيدي جنود عند قاعدة الصليب على قمة جبل برفقة العديد من الأساقفة والكهنة. فسرت الكنيسة هذا السر على انه محاولة الاغتيال التي تعرض لها البابا يوحنا بولس الثاني في الثالث من آيار من العام 1981 على يد مسلح تركي الجنسية يدعى محمد علي اغا في ساحة القديس بيتر، ما دفع البابا الى شكر سيدة فاطيما لانقاذها حياته قائلا: بأنه شاهدها وهي تدفع بذراع المسلح بعيدا عنه، وقد بقي محتفظا بوعيه وتركيزه طوال طريقه الى المشفى يستذكر ما شاهده.
     توالت ظهورات العذراء للاطفال رابعا وخامسا حتى الظهور السادس والأخير لها في الثالث عشر من تشرين الاول وبحضور ما يقرب من سبعين الف شخص، بضمنهم ممثلون عن صحف عرفت بمعاداتها للدين، في أجواء ماطرة وعاصفة، فشهدوا على ظهور معجزة الشمس في فاطيما. ومع حلول منتصف النهار، بدأ الجموع بمشاهدة أشياء غريبة تحدث؛ حيث تباعدت الغيوم وفتحت السماء ولاحت الشمس وهي تدور في السماء وتغيرت الالوان؛ أو ذهبت في ظلام لدقائق عدة؛ قبل أن تعاود اشراقها نحو الارض. خشي الكثيرون من أن يكون هذا هو يوم القيامة واعتقد البعض بحدوث معجزة لأنهم لم يشاهدوا العذراء مريم بأم أعينهم إذ تجلت أمام الاطفال الثلاثة فقط. وقد التقطت عدسة أحد مصوري الصحافة المتواجدين هناك صورة للحشود وقد علقت عيونهم بالنظر الى السماء، فيما لم يتم تسجيل حدوث أي ظاهرة شمسية أو طبيعية غير مألوفة في ذلك اليوم من قبل العلماء.

 
 تطويب
     كان الطفلان فرانسيسكو واخته جاسينتا من بين ضحايا وباء الانفلونزا الاسبانية العظيم الذي تفشى عام 1919، وعند فتح قبريهما عامي 1935 و1951 وجدت جثة جاسينتا كما هي غير متفسخة؛ على عكس جثة اخيها التي وجدت متحللة. وفي الثالث عشر من آيار من العام 1989، أعلن البابا يوحنا بولص الثاني خلال حفل عام عن تبجيل كل من جاسينتا وفرانسيسكو ليعود مرة أخرى في الثالث عشر من آيار من العام 2000 ويعلن عن تقديسها، لتكون جاسينتا بذلك أصغر طفلة يتم تطويبها من دون أن تستشهد (لأن التطويب يشمل الشهداء).
     تحدثت لوسيا عن ظهور السيدة العذراء لها مرة أخرى سنة 1925 اثناء وجودها داخل دير في اسبانيا، وطلبت منها ايصال رسالة الى العالم عن تكريس السبت الأول (تكريس السيدة العذراء ليوم السبت هي عادة متبعة قديمة اذ يعتقد أن المسيح ظهر لها لاول مرة خلال يوم السبت- المترجمة). انتقلت لوسيا سنة 1928 الى دير آخر في اسبانيا، لتعلن في السنة التي تلتها عن تكرار طلب العذراء منها تكريس روسيا لتتحول الى قلب العذراء الطاهر، وتتابع ظهور مريم العذراء للوسيا خلال سني حياتها وكان من أبرزها ظهورها لها العام 1931 عندما قام المسيح بتعليم لوسيا أداء صلاتين وايصال رسالة الى القائمين على الهرم الكنسي.
     غادرت الأخت لوسيا الدير في العام 1947 لتلتحق بدير الراهبات الكرمليات بمدينة كويمبرا في البرتغال (تدعى رسميا رهبنة إخوة سيدة جبل الكرمل، ويعرفون أيضا باسم الكرمليون أو الكرمليت. وهي رهبنة في الكنيسة الكاثوليكية تأسست في القرن الثاني عشر في مملكة بيت المقدس، وتعتمد في روحانيتها على النبي إلياس ومريم العذراء بشكل خاص. الرهبنة مأخوذة من جبل الكرمل شمال حيفا وهو المكان المذكور في الكتاب المقدس والمقترن بالنبي إيليا، حيث قبل الله قربانه في قمة ذلك الجبل- المترجمة). توفيت لوسيا في الثالث عشر من شباط2005  بعمر97 عاما حيث أمر الكادرينال جوزيف راتزينغر بإغلاق حجرتها التي ربما كانت جزءا من اجراءات تطويبها.

 
  مزار وحجيج
     بدأ العمل بانشاء أول مكان للعبادة؛ وهي كنيسة الظهورات في الثامن والعشرين من شهر نيسان 1919 وأقيم أول قداس في المزار سنة 1921، وحظي تكريس سيدة فاطيما بدعم العديد من البابوات منهم البابا بينوس الثاني عشر(1939-58)  وبولس السادس(1963-78)  ويوحنا بولس الثاني (1978- 2005).
     أقام البابا يوحنا بولس السادس قداسا برفقة الأخت لوسيا بموقع الضريح في الثالث عشر من آيار1967  كما ذكر البابا يوحنا بولس الثاني بفضل سيدة فاطيما بانقاذ حياته من محاولة اغتياله العام1981  وانه جاء اليها حاجا ليعبر لها عن شكره وامتنانه، وفي اليوم التالي قام بتكريس البشرية عموما الى قلب العذراء الطاهر، حيث سبقه بذلك البابا بينوس الثاني عشر.
     يتوسط المزار مبنى كنيسة سيدة فاطيما الذي بوشر بانشائه عام1928  وتم تقديسه العام1953  يعلو منتصفها برج يرتفع الى65  مترا ويحيط الكنيسة أعمدة ضخمة تطل على ساحة فسيحة، يحتل مركزه نصب كبير (قلب يسوع الأقدس) ويطل على ينبوع ماء تم اكتشافه هناك، وهو بنظر البعض صك للعديد من النعم. يقف على بوابة الكنيسة حراس؛ مهمتهم قد تصل الى حد منع الزوار من الدخول من الذين لا يرتدون ملابس تليق بقدسية المكان سواء من الرجال أو النساء.
     تحتوي الكنيسة على15  مذبحا ترمز الى الاسرار الخمسة عشر للصلاة الوردية فضلا عن نعوش اصحاب الرؤى الطفلين فرانسيسكو وجاسينتا مارتو. ومقابل اللوحة الكبيرة المعلقة فوق المذبح رسالة سيدة فاطيما الى الاطفال الثلاثة حيث يظهر فيها شخوص الاساقفة والبابوات بيوس الثاني عشر، ويوحنا الثالث والعشرين، وبولس السادس. توزعت على الزوايا الاربع للكنيسة تماثيل لرجال مكرسين لقلب العذراء الطاهر والصلاة الوردية فضلا عن جهاز اورغن كبير يعود للعام1952  يحتوي على 12 الف انبوب.
     يتوقف معظم حجاج سيدة فاطيما عند كنيسة صغيرة بنيت في الهواء الطلق فوق موقع ظهور العذراء مفتوحة أمام الزائرين على مدار العام. وبنيت الكنيسة الاصلية سنة1919 وتعرضت للتفجير العام 1922  من قبل مشككين بقدرة الكنيسة على صنع المعجزات. وفي وسط الكنيسة الجديدة يوجد عمود أبيض وحيد فوق موقع شجرة السنديان التي ظهرت عليها العذراء مريم لاول مرة 1917. وقد امتدت ايدي هواة جمع التحف والتذكارات الى شجرة البلوط الاصلية، حيث يتم الان زراعة ورعاية شجرة كبيرة بديلة لتحل محلها بالقرب من مدخل الحرم.
     قريبا من المدخل، يمكن مشاهدة نصب تذكاري لقطعة كبيرة من جدار برلين، بعد انهياره العام 1989، تزن نحو2600 كيلوغرام تبرع بها أحد المهاجرين البرتغال الى ألمانيا كرمز لتدخل الله في اسقاط الشيوعية كما وعد في ظهورات سيدة فاطيما. يمكن لحجاج الكنيسة زيارة مواقع الدفن الاصلية لجاسينتا وأخيها كما يمكنهم مشاهدة منازلهم وقد تركت كما هي لاعطاء فكرة عن القرية وكيف كانت تبدو فيما مضى قبل بناء المزار.
     يتوافد الحجيج على المزار طوال أشهر السنة لكن تشهد أعدادهم زيادة في فصل الصيف وبخاصة خلال فترة العيد، اذ قد يصل عددهم يومي12 آيار و12 تشرين الأول الى 75 الف حاج يصلون اليها عن طريق السيارات، والدراجات والعربات التي تجرها الحمير أو مشيا على الاقدام، وقد يحج اليها البعض زاحفا على ركبتيه كنوع من التكفير عن الذنوب. ويخيم الحجيج هناك بانتظار الفجر ليلوحوا بمناديلهم عندما يتم تمرير تمثال السيدة العذراء صباحا وحتى منتصف الليل في الباحة الرئيسة للمزار.
     يقول البابا ايمريتوس عن المعنى الحقيقي والجوهري لرسالة سيدة فاطيما لنا: إنها تحض على الصلاة لتكون طريقنا الى الخلاص، خلاص نفوسنا، وهي دعوة لنا للتكفير عن الذنوب والتوبة والتغيير نحو الأصلح.

                                                        (ترجمة: ليندا أدور)

للانتقال إلى الصفحة الرئيسية   

 
 

الساعة و التقويم

سجل الزوار

مواقع شقيقة

مجلة الزنبقة

مؤلفات

الزنبقة الصغيرة

سير القديسين

رسالة الحياة