بمناسبة عيد القيامة المجيد
                                   رسالة إلى أبناء بلدتي بخديدا

المونسنيور بيوس قاشا

    في البدء...
    أحبائي وأبنائي وسادتي:
    سلاماً وخيراً وعودةً، أتمنى لكم جميعاً، فأنتم آبائي وأمهاتي، إخوتي وأخواتي، أبنائي وأطفالي، أقربائي وأنسبائي، وأعتذر من كل واحد منكم إذا كنتُ قد أسأتُ إليه، في كلمة، بالفكر والقول والفعل والإهمال. ويسرني أن أكتب إليكم ما يفيض في داخلي من مشاعر جعلتني في حقيقة الندامة على ما حصل بنا في سهل نينوى، وأنا أستذكر معكم كنيستي "الأمّ الطاهرة" والكنائس السبعة الأخرى التي تحتضنهنّ بخديدا المقدسة، واحتفالاتها، وطقوسها، وعطائها الإيماني، ومع هذا سأبقى في مسيرة الرجاء والأمل بالمسيح الحي الذي أحبّني وأحبّكم وأحبَّ العالم حتى النهاية، ولن أتركها حتى مغادرتي نعمة حياة الدنيا، إلى حيث سماء الرب.

   كلمة وحقيقة
    حبيبتي بخديدا، نعم، إنني أكلّمكِ عبر هذه الأسطر، ولستُ هنا في صياغة إنشاء قواعدي شرتوتي بل يسرني أن أقول كلمة في حقكِ وحق أبناءكِ الغيارى الذين جادوا في سبيلكِ. فأنتِ أرضٌ مقدسة، ومن علّيقة الإيمان أسمع أنينكِ وأتحسّر لآهاتكِ، وأملأ عيوني من أملكِ، ورجاءً من صبركِ، وغيرةً من إستسلامكِ للحياة الجلجلية التي جعلَتْكِ مصلوبةً على قمة الإرهاب لتُظهري للعابرين في طريق الزمن ما الذي صنعه دواعش تنظيم الدولة الإسلامية المزيَّف والتي باسمها أرادوكِ أن تنكري إيمانكِ وتقلّصي إيمان أولادكِ وأحفادكِ وحتى أجدادكِ لتنظمّي إلى مسيرة الإرهاب الشريرة، أو تدفعين ثمن عرق جبينكِ وأتعاب حلالكِ لهؤلاء الذين شوّهوا التاريخ بصفحات القتل والدمار والتكفير، والذين أرادوا أن يبيعوا لكِ الجنة، بجزية مسروقة... إنهم شياطين الزمن وإرهاب العوالم الشريرة، فبئسهم وبئس مَن صنعهم آلةً وسيفاً وإرهاباً.

   بغديدا والدماء
    أحبتي: عُرِفَت قره قوش _ بخديدا بـ "أمّ القرى" من سهل نينوى وليد الإحتلال وما بعده، وتتباهى بأولادها الغيارى الذين أعطوا من أجل تربتها دماءً زكية وعرقاً مصبوباً وأموالاً طاهرة كي يذودوا عنها وعن ذرّاتها. تتباهى بخديدا بأساقفتها القديسين، وبكهنتها الغيارى الباذلين أنفسهم، ورجال إيمانها الذين يحملون صبغة العماذ ومسحة الميرون المقدسة وليس بدينها، فالدين عبادة لله وعلاقة الخالق والمخلوق، والرجال خدّام للإيمان في عيشه، وأساقفتها الذين يقول عنهم التاريخ إنهم كانوا رثّي الملابس ولكن كانوا يحملون سِمَة الروح على جباههم المنيرة، والذين لم يغتسلوا بما إخترعته الدنيا من مطهّرات ومنظّفات فيُظهروا أجسامهم وأجسادهم أطهاراً بل كانوا _ على بساطتهم وبالقدر الكافي من مسيرتهم _ نيّرات في سمائها ونجوماً في أجوائها وعلامات في مسيرتها. أعطوا دون أخذ "مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا" (متى8:10). لم يسألوا عن إرهاق سواعدهم، ولا أجفان عيونهم الساهرة، ولم يحسبوا أتعابهم إلا رسالة سامية ملؤها الحب الذي أوصى به ربّهم وسيدهم المسيح الحي إذ قال: كونوا في الحب، "أحبّوا بعضكم بعضاً" (يوحنا 34:13). ولم تسكن أقدامهم، حملوا حجارتها وبنوا كنائسهم وزيّنوها بما هو أغلى وأقدس من بيوتهم زينة وطنافس ومصابيح، وكان زمانهم زمن الفخر والإعتزاز وإنْ كانت أرجلهم لا تحملهم إلا بالوحل والطين والتخلّف (عذراً للكلمة)، وإنْ كانوا محسوبين إنهم متمسكين بترديد كلمات في مناجاة الباري، فكان ذلك لهم قوةً وعمقَ إيمان ورسالةً لم تكتبها الأقلام بل عاشتها الأفئدة والقلوب... إنه عمق المسيحية في رسالتها السامية.

   شرق ومستقبل
     أخاف _ وإن شاء الله يكون خوفي في غير محلّه _ وأقول: إن إشاعة الفوضى والحروب وتبديد الأموال وهدرها وما يُحمَل للشرق من مآسي _ عنه قيل يوماً أن هذا هو الشرق الأوسط الجديد والذي بُشّرنا به _ أقول: إنه شرق أوسط خالٍ من المسيحيين، وتسوده ثقافة التوحش والإرهاب والعنف والقتل وتدمير الحضارة وآثارها والتاريخ ومعالمه وكل ما هو جميل في تراثه... إنه مشروع إستعماري وإحتلالي وتدميري بامتياز، وهذا ما أوجده لنا الدواعش وأخواتهم من المنظمات الإرهابية، وفي ذلك _ ربما وإن شاء الله أكون مخطئاً _ إنهم يعملون على تدميرنا بتمويل بعض الأعراب المستعمرين للشعوب _ والذين يحسبوننا كفّاراً وخنازير وزنادقة _ بأموال النفط التي منحها رب السماء لبُنيان الأرض وليس لتدمير الشعوب وقتلهم وذبحهم وطردهم، وبدل أن يكون مصدر خير وبناء ورُقيّ، أصبح لنا مصدر كوارث ومصائب وحروب واستعلاء. فاعلموا يا أحبائي ماذا لو كان الأعراب قد صرفوا هذه المليارات من الأموال والترليونات من الدولارات لأجل البناء ومصارعة التحديات الإقتصادية والإجتماعية في بناء المدارس والمستشفيات والجامعات ودعم الشعوب الفقيرة في منطقتنا التي كنا نفتخر بقوميتها العربية، فأصبحت هذه الأموال رصيداً للحروب والدمار والخراب، فأنتم اليوم تدفعون فاتورة سياسات خاطئة باسم شرقكم المعذَّب، وهكذا يضيع مستقبلكم، فمستقبلكم مرتبط ومرهون بسلاحه ليس إلا!.

   هامات وهروب
    يا أعزائي: نعم، وطننا جريح، ولكن _ وإنْ كان الوطن جريحاً _ فمداواته تقع على هاماتكم وقاماتكم وليس إلى هروبكم، وما أكثرهم أولئك الذين يدخلون على تعبكم عبر المحيطات فيُطعمونكم زاداً ولحمةً وهذا مأربهم، أما أرضكم فطوبى لكم إذا إحتضنتكم حتى في فقركم، وما أجمل ألمكم حينما يُجبَل بتراب أجدادكم وآبائكم، فمن أجلكم زرعوا وشتلوا وبنوا وسهروا وصلّوا لكي تكونوا أنتم أيضاً يوماً أوفياء وأمناء ورجال صلاة من أجل أولادكم. فما أصعبها الحياة حينما تذرف الأرض دموعاً على أبنائها، وتلبس سواداً حِداداً على فقدانهم، وتبكي ألماً على فراقهم، فلا يواسيها الزمان ولا ممالك الدنيا والرجال، ولا ذهب العرائس والأباطرة، فدموعها أغلى من دموع الأمّهات، وآهاتها أعمق من آهات الحكماء، وآلامها أقسى من آلام السجناء.
    لا تيأسوا فالوقت لكم وإنْ كانت نظرتكم شؤماً وخوفاً من الآتي، ولكن عليكم أن ترفعوا رؤوسكم لأنني أرى أن خلاصكم قد دنا (متى32:24)، فلا تكونوا سلعة للجيران _ شرقاً كانوا أم غرباً، شمالاً أو تيمناً (جنوباً) _ الذين قتلوا آباءكم وأجدادكم يوماً بل كونوا معهم حكماء النيّة وسليمي السيرة وقائلي الحقيقة وإنْ كانوا أقوياء، ولا تكونوا خروفاً أو حَمَلاً كحَمَل إبراهيم لأنهم يوماً سيسوقونكم إلى المحافل ويطردونكم ويذبحونكم وتُقادون بالسلاسل، بل إحملوا مشعل الإيمان وتشجعوا وترس الصلاة وتقوّوا بالذي فداكم على خشبة العار (مز10:95) فكانت لكم خلاصاً، بهذه ستنتصرون. تذكّروا قسطنطين وأمّه هيلانة، ولا تسلّموا أنفسكم لهيرودس الزمان وما أكثرهم في هذه الحال، ولا إلى بيلاطس الجائر بحكمه وما أكثر كراسيهم، فأنا بينكم أخٌ صغيرٌ وإن كنتُ غير مرغوبٍ فيه من قليل من كبار الزمن والدنيا، وإنْ كان البعض قد أعجبتهم سيرتي أو لم تعجبهم، فنحن نعمل إرادة الإله من أجل الإنسان في شهادة للحقيقة. فلتتماسك أيادينا بقلبٍ واحدٍ ونيّةٍ واحدةٍ، وكفانا أن نكون بضاعة للأحزاب والحركات والديمقراطيات والتوجّهات والعشائريات والقبائليات والمناصب، وما شابه ذلك، بل نحن كلنا من أجل بخديدا، فمنها ولها ومعها في مسيرة الموت، أو الحياة في مسيرة التاريخ والزمن. كنا وكانت أرضنا بخديدا وسهلنا وربوع ديارنا عامرة، بالأمس بأجدادكم، واليوم بكم وأنتم أهلها، وهي لكم أمّاً حملتكم في صغركم وهلهلت يوم عماذكم وزغردت ساعة زفافكم وعرسكم، وبعد أيام وسنين تعودون إليها فتحتضنكم لتذكر ذكراكم ومقامكم في السماء كما على مذابح الرب. نعم، تذكّروا دائماً، أنكم الأصول والأصلاء، أنتم الأصالة وعمود البقاء، وحين تموت أصولكم فلا تذكار لكم، وما أتعس الإنسان بدون جذور، فلا تجعلوهم يقلعون أصولكم والويل إذا كنتم لهم مساعدون.

   وطن وإنتماء
    إنتبهوا، لا تتنازلوا عن إنتماءاتكم للوطن ولأرضكم ولشرقكم رغم كل الآلام والجراح والمعاناة، فالمسيحية منذ نشأتها كانت في مسيرة مع الألم والإضطهاد والقتل والطرد ولا زالت وستستمر، فالمسيح الرب سبق وأعلمنا "إنهم يضطهدونكم ويطردونكم" (لوقا19:21). فأصالتكم إيمانية، وجذوركم عميقة في هذا المشرق العربي، فلا تستسلموا للواقع الذي يرسمه لكم الأعداء بل إعملوا وخطّطوا لغدٍ أفضل من يومكم، وعالجوا قضاياكم وهمومكم وهواجسكم _ التي تعصف بكم _ في تكريس الخطاب الديني المُحبّ والملئ بالرحمة والتسامح، والمتصالح في قبول الآخر المختلف والمهمَّش المنبوذ، بعيداً عن ثقافة التكفير والتحريض والكراهية. فبدلاً من التحريض الطائفي والمذهبي ليكن خطابكم خطاباً ملؤه روح الأخوّة والمحبة والخير واحترام الآخر، ولا تكونوا من المكفّرين، فأنتم بدلاً من ذلك إملأوا عقولكم حكمةً وتفكيراً للنهوض بواقعكم الأليم، واجعلوا من سلبياتكم إنموذجاً إيجابياً يُحتذى به في معالجة الأمور والقضايا بالتروّي والتعقّل. نعم، إنجيلكم يحثّكم على أنْ يُشار إليكم بالبنان، وليكن إنحيازكم إلى كل إنسان مظلوم ومضطَهَد، وهذا هو عمق الإنجيل ورسالة الإيمان أن تكونوا معزّين للمظلومين والمعذَّبين والمأسورين والمضطَهَدين والمستَهدَفين، وكونوا ملحاً وخميرةً لهذه الأرض، وبقاؤكم هو مصدر خير وبركة وبناء وتضحية. فاعملوا على إعادة بناء أوطانكم ودوركم ومنازلكم، وفكّروا في مشاريع رزق لأولادكم وأحفادكم، ولا تستسلموا لليأس والقنوط وتجعلوا التاريخ يضلّكم ثم يشهر بكم بأنكم بعتم أرضكم ووطنكم بأكلة عدس كما فعل قبلكم عيسو من أجل معدته ودنياه.

   أجراس وكنائس
    نعم، أنتم باقون في منطقتكم، وستبقى أجراس كنائسكم في هذا المشرق العربي تدقّ وبأصوات متناغمة ومعلنة أنكم شهود للحياة وشهداء من أجل الحقيقة في إعلان قِيَم المحبة والأخوّة والتلاقي، لأن ثقافتكم تدعوكم أن تحملوا هذه الصفات وهذه الإنتماءات. فأنتم قضية، وقضيتكم أرضكم وكل الوطن، فكونوا مدافعين عن حقوقكم وأرضكم ولا راحلين عن وطنكم، فأنتم وطن والوطن أرضكم وإنْ كان الكثيرون قد غادروه فذلك شأنهم، فالمسيح الرب واحد، أرسله الله لخلاصنا ولا يمكن أن يكون هناك مسحاء آخرين إلا دجّالون... إنها الحقيقة بعينها وبمصداقيتها، نعم، ليس إلا!. فلا تيأسوا، فمن المؤكد أن الإرهاب في النهاية سيختفي لوحده، هذا ما قاله المونسنيور غالاغير (أسقف التعاون والحوار في حديث لجريدة لافانجارديا الإسبانية)، وما نحتاج إليه أن نعمل ضد ثقافة الحقد والعنف، ولا يجوز إستغلال الدين لتبرير هذا العنف والإرهاب. فواجبنا أن نفتش عن حقيقة الإنسان والله، وعن الحاجة إلى العمل معاً كي لا نعيش في قلق الحياة والخوف من القادم والإرهاب من الجار، فأنتم ملتزمون للعمل لصالح أرضكم وكنيستكم وأصالتكم بعمل يهدف للخير معاً.

   مكوّن أساسي
    لا تخافوا، فأنتم لستم مستَورَدين، نعم، أنتم لستم جاليات ولا أقليات في إنتماءاتكم، ولا عابري سبيل أو أهل ذمّة أو ضيوفاً عند أحد أو عند شعوب، وارفضوا أنْ يُنظَر إليكم كذلك، فأنتم مكوَّن أساسي، حاملين كرامة الإنجيل وحرية المعتقد، فلستم كفّاراً بل أنتم مؤمنون بالذي أرسله الله كلمة إلى مريم (سورة آل عمران؛ 45) وهو من عمل الروح القدس. ومسيحيتكم من صميم أرضكم وشرقكم، وفي هذه الأرض المشرقية إنتشرت البشرى السارة (مرقس15:16) فكانت نوراً للأمم ومجداً للشعوب. فأرضكم أرض المسيح الحي الذي أحبّكم حتى الموت (فيلي8:2)، وحضوركم علامة يعمل الكثير على دفنها وتشييعها ورحيلها وإنْ أمكن حتى قراءة الفاتحة على بقائها، فأنتم أعرق وأقدم مراكز روحية مسيحية في المشرق الجريح، وإنْ كان صحيحاً بانّ أعدادكم تراجعت وبشكل مقلق بسبب الظروف السياسية والأمنية التي ألمّت بكم وهمّشتكم وجعلتكم تُبّاعاً من أجل مآرب المصالح المزيفة والكراسي المسروقة والمناصب المشتراة والتي عنها يدافع كبار الزمن بأنهم الحقيقة، وفي ذلك يغشّون أنفسهم أو يضعون على عيونهم ما لم تره العيون حقيقة.
    تشجعوا، لا تخافوا يا أبناء بخديدا، يا أحفاد الرجال الأوفياء وبُناة المعابد الأمناء، فالأرض أرضكم فلا تتهاونوا في حمايتها فهي تناديكم لا تتركوني أرملة فالذئاب كثيرون وإنْ لبسوا ثوب القداسة وتزيّنوا بزينة الطهارة وجلسوا على كراسي الزمان، فما هم إلا فاسدون يتاجرون بما لا يملكون، ويحصدون ما لم يزرعوه (متى24:25). فأرضكم ووطنكم اليوم أمام مصير مجهول إنْ كنتم قد غادرتموه من أجل ملء البطون وراحة البال وتربية العيال، فالأرض بمقياسها بنت عشيرتكم ومعبدكم وعائلتكم كما هو وليدكم، ومستقبل أرضكم نداء لا تساويه أثمان بل هو أغلى حتى من عيالكم، فالرب أعطاكم ما لم تفكروا، وما لم تتعبوا به، ومنحكم وطناً ورأى ذلك حسناً (تك 1).

   الخاتمة
    أحبائي: وإنْ أتيتُ إلى الخاتمة أقول: مرّت المحنة بمآسيها وآلامها، بزواياها المظلمة وسقوفها المهدومة، وإنْ كانت أذيالها طويلة وقاسية. والشكر لربّ السماء الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة من مسيرة المحنة التي نكبت بنا في السادس من آب عام 2014، والتي فيها كنتم كالخراف أمام ذئاب غادرة، وفي تلك الليلة المخيفة والمفزعة كانت الهزيمة، وافترشتم حدائق أرض الشمال، وأصبحتم حينها تستعطون حتى منازلكم وكرامتكم بعد أن دُمّرت بيوتكم ونُهبت أموالكم وأصبحتم تائهين في شوارع المدينة وساحات الإنضباط والتفتيش، وربما _ بل من المؤكد _ أن الغلطة لم تكن غلطتكم، بل كنتم فريسة لمصالح سياسية وديموغرافية وحزبية، من قريب أو من بعيد. إنها لحظة ولّت دون رجعة _ وإن شاء الله _ وبعون سيدة بغديدا أمّنا القديسة مريم بثولتا (العذراء). ولكن إنتبهوا من الآن _ عبر أساقفتكم الحكماء وكهنتكم الأوفياء ومؤمنيكم البسلاء _ أن تكونوا بالمرصاد للشرير والفاسد أينما كان، وانتبهوا أنْ "لا يأتونكم بثياب الحملان" (متى15:7)، وبكلام ملؤه العسل والمذاق، وأنتم لهم مصفّقون، فالمستقبل لا يرحم أحداً، كما إن التاريخ لا يجامل الحقيقة، ولا يطاله التشويه أو التبديل أو التزوير، كما إنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة، نافعة أو ضارة، إلا ودوّنها في كتاب مبين (سورة النساء؛ 144)، وذاكرة الشعوب لا تمحوها الحروب والإرهاب، فلا تكونوا خبزاً للسياسات المزيَّفة، بل كونوا مِمَّن يريدون أن ينتفعوا من تجارب الماضي، واستخلاص العِبَر والدروس، فأنتم أغنى حضارة وأسمى ذاكرة على وجه البسيطة، وانتبهوا واحرزوا من العقول المزيَّفة ومن الحكماء الفاسدين. وأقول لكم: إن ما حدث في كنيسة سيدة النجاة _ وكنتُ سامعاً وحيداً للآهات، وشاهداً لِمَا حلّ بها من تدمير وقتل الأبرياء المصلّين _ سوف لن يكون الأخير إلا إذا عرفنا مقام أنفسنا وقيمة سياساتنا ومنهج مسيرتنا بروح المواطنة والتمسّك بها وحبّ الوطن، كي لا تسمحوا للكوارث والمآسي والمحن تنتابكم مرة أخرى. واعملوا على وحدة وطنكم، ومحبّة ترابكم وشعبكم، وإعادة بناء مدنكم وقُراكم وحقيقة مسيرتكم المسيحية والإيمانية والإجتماعية، تاركين الخيارات الطائفية والمذهبية والسياسية والمصلحية والقومية الضيقة خلف ظهوركم، وانتبهوا من رفع الشعارات التعبوية من أجل دغدغة المشاعر فما تلك إلا بالونات وزوبعة في فنجان، فأنتم أحفاد المؤمنين الغيارى، فكونوا شهوداً للحقيقة وشهداء من أجلها، قولوها بأعلى أصواتكم فالمسيح الحي ربنا كان لها شاهداً، وإلا سيكون الضياع والفشل وداعش أسود آخر.
    فلا تحلموا بالعودة، فالأحلام تُشيَّع نهاراً، بل عودوا إلى دياركم، وكونوا أحفاد الذين كانوا من أجل بخديدا، وعودوا إلى دوركم واسكنوها، وارجعوا إلى كنائسكم المقدسة وزيّنوها بطقوسكم السريانية الرائعة في ظل أساقفتكم الأجلاء وكهنتكم الأحبّة الأمناء وشعبكم، وكونوا له رسالة وطريقاً نحو السماء... نعم، وكل عام وأنتم بألف خير في قيامة المسيح الحي، وسيبقى المسيح حيّاً فينا وفيكم، نعم وآمين.